الأربعاء، 23 مارس 2011

لا تُقصني حتى لا أُقصيك - حوار مع الجماعة



سأحاول أن أبين موقفي تجاه جماعة الإخوان المسلمين لمن لم يتبينه بعض الأصدقاء بالشكل الذي أردته وهو موقف ليس بالجامد بل يقبل المتغير ويستوعبه.

في البداية فإن الجماعة في تنظيمها القوي المتماسك لا تحمل منهجاً واضحاً في قبول الآراء المتنوعة داخلها حيث تتعامل القيادة بشكل بيروقراطي وأحادي النظرة..وهو ما يمكن تلافيه بقبول المد الشبابي داخلها واستوعاب آرائه بشكل ديموقراطي ولا تمرر القيادة مواقفها وآرائها بدون العودة للقاعدة والعنصر الفاعل بالشارع وهو الشباب.

أيضاً فإن وجود حزب ذا مرجعية دينية لا غضاضة في قبوله إذا ما التزم بتلافي الفكر الاقصائي والشعارات الجامدة وبتطبيق الحريات مع مد جذور التواصل الفني والثقافي في هذه النقطة وعدم قبول الحرية بشكل قطعي واختزالي في صور معينة بل قبولها على إطلاقها.

عندما سألتني أحد الصديقات بأنه ما الذي خرجت لتنادي به في ثورة 25 يناير وأنت تُقصي الجماعة من مخيلتك لمستقبل الحكم في مصر فكان هذا ردي، لا تقصيني وتلتزم بأفكارك المسبقة ثم تطلب مني أن أقف سنداً لك.. فأنا أقبل بجماعة الأخوان اذا ما قامت بثورة فكرية تنظيمية وأعدوا برنامجاً يرفع شعار المواطنة والحريات الغير مشروطة فلا يعقل أن نقبل شيئاً على إطلاقه بدون ان ندرس رؤاه ونستأصل النظرة الشمولية التي عانينا منها الكثير لعدة عقود.

إن الحديث عن حزب الحرية والعدالة ومناصرة هذه الأيديولوجية أو تلك هو حديث مؤجل ولا يصح أن نبدأ فيه دون نقرأ برنامج الأخوان من خلاله ونظرتهم لثورة مصر "25 يناير" ونرى المصالحة الفكرية اللازمة ليتم استيعاب الجماعة كقوة سياسية اجتماعية لا غنى عنها.

الخميس، 17 فبراير 2011

ماذا علمتني الثورة



عشت أياماً زاخمة بالأحداث التي لم يستوعب ذهني استقبالها بهذا النهج المتسارع منذ بداية ثورة شباب 25 يناير وحتى نهايتها بالنصر المظفر، وسيأتي وقت لأسرد فيه بعض الأحداث التي عايشتها لكن هنا أحاول أن أرى بمنظوري بعضاً من الأمور التي علمتني إياها تلك الثورة المجيدة.

1- وحدة الهدف علاج للأمراض المستعصية المجتمعية

من عاش إنطلاقة تلك الحركة النبيلة التي لم تكن في بدايتها -ثورة- بالمعنى الفعلي ولم يعتبرها كذلك قيادتها أو أي من المشاركين الذين نزلوا في اليوم الأول والثاني من الاحتجاجات يعرف جيداً أنه وجد أخلاق جديدة يتعامل بها الشعب المصري، سواء قبل الوصول لميدان التحرير أو بعد الوصول إليه.

فوحدة الهداف والمشروع القومي الغائب منذ عقود عن المصريين كان كفيلاً بأن ينسى المصري مصاعب العيش وكل كوابيس الماضي بالنسبة له ويترفع عن الطائفية والوعظ السلبي وأخلاقيات الشارع لنجد شعباً جديداً في ميدان التحرير، يبتسم في وجهك ويعتذر لك في حالة اصطدم بك أو قام بتفتيشك عند مداخل الميدان، وتجد تبادل النكات وتوزيع الماء أو العصائر والساندوتشات بين الحينة والآخر لتصبير أنفسهم ودفع كل واحد منهم الآخر للبقاء صامداً وإكمال المشوار لنهايته، فأصبح الواحد يعمل من أجل المجموعة وهو يعرف أن المجموعة تعمل من أجله فتم خلق أو رسم لوحة جميلة للمجتمع النبيل المتآلف.

2- مراجعة النفس

من أهم ما أرى أن هذه الثورة قد انجزته هو أن كل فرد أخذ بزمام نفسه وبدأ يقوم بمراجعة شاملة عل حياته السابقة وما ارتكب فيها من أخطاء في حق نفسه أو الغير، فظهرت روح جديدة بين المسلم والمسيحي وضحت بشدة من خلال الهتافات التي كانت تؤكد على وحدة عنصري الأمة، وعرف كل فريق منهما أنه لا استغناء عن الآخر ولا يمكن الاستسلام لروح التعصب والفرقة فكليهما في دائرة واحدة اسمها الوطن، رأيت دموع وحسرات بعض الرجال المتقدمين بالسن والشيوخ على ما فاتهم وربما عزاء لأنفسهم وسعادة بأنهم لحقوا ثورة الشباب تلك حتى لو كانوا قد تمنوا أن تحدث في أجيالهم والحقبة التي كانوا فيها شبابا.

ونرى قمة النضج في مراجعة النفس بعد انتهاء الثورة بقيام بعض الشباب بدعوات لعدم إلقاء القمامة في الشارع أو كسر إشارة المرور أو معاكسة البنات وهو ما يعني أن الثورة لم تقم فقط لإسقاط العصابة السياسية الفاسدة أو لتحسين مستوى المعيشة فقط بل يمكن أن تكسب منها كنز أخلاقي جديد بالمجتمع المصري.

3- نجوم المجتمع و ورقة التوت

عرفنا أيضاً من خلال هذه الثورة النبيلة بعض الطبقات التي خذلت شعبها وأهمها طبقة لاعبي الكرة وبدرجة أقل طبقة الفنانين بدورها السلبي والمُحبط وربما في بعض الأحيان الجارح في وصف المتظاهرين والثوار المطالبين بحقوقهم وربما حقوق غيرهم وجعلوا نفسهم فدءاً لإصلاح وتنظيف مجتمع قد فسد وعفن.

لكن قوبل هؤلاء الثوار بموجة من الهجوم المخجل من قبل بعض المطربين والممثلين بالإضافة للاعبين الكرة الذي قام البعض بالتصريح بأن المحتجين في الميدان هم مأجورين أو "مضحوك عليهم" واكتف البعض الآخر الذي كان منهم شخصيات كانت قدوة لفئة كبيرة من الشعب بالصمت والسكوت المحير.

إذن من أحرز الهدف في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الوطن لم تكن طبقات لاعبي الكرة ولا المطربين والممثلين ولا مقدمي البرامج التلفزيونية وهم نجوم المجتمع بل كانت طبقة من المثقفين والكتاب الشرفاء، الذين قام بعضهم دون أن يدري بغرس بعض من نواة تلك الثورة بالتوعية والتأكيد على مباديء الديمقراطية ومواجهة الفساد ومحاربة الطغيان على مدى سنوات من خلال مقالات أو كتب وهنا أتت دور الطبقة الواعية المثقفة سواء من كتاب أو جماهير عادية بالميدان لنقل الصورة الحقيقية لغير المتعلمين والطبقة الكادحة وتحريضهم على المطالبة بالحقوق بشكل سلمي ومتحضر فكان أمراً في غاية الروعة ويتمثل هذا أمام عيني عندما قامت بعض مجموعة صباح يوم "مجزرة الأربعاء" أو معركة الجمال التي قام بها البلطجية مدفوعين من أركان وحواشي النظام الفساد، فحضر في صباح هذا اليوم بعض الشباب والبنات العادي يهتفون للرئيس حسني مبارك ويقذفون المتظاهرين بوابل من الشتائم الخادشة للحياء والحركات المستفزة، ولكن ظلت هذه العشرات من الألوف متريثة و واقفة تشاهد ولا ترد ولا تحتك بهم، وكان قادة هذا المشهد الحضاري من جانب المتظاهرين هم الشباب الواعي الذي يعلم أهمية أن تبقى هذه الثورة بيضاء ليتحاكى عنها العالم بعد ذلك.

4- الإعلام ودوره الخطير

صدق الملايين من الشعب المصري تلك الألاعيب والمسلسلات الوضيعة التي تم حبكها خلال الأيام الأولى من هذه الثورة النبيلة من قبل التلفزيون المصري الذي لم يتواني عن التشكيك في وطنية وعقالة ورجحان المتظاهرين، و وصفهم بأنهم مدفوعين من الخارج ولهم أجندات وأهداف أخرى بقصد التربح من جهات أجنبية لخلق الفوضى في البلاد وهو ما صدقه الكثيرين للأسف في بداية هذه الثورة.

وبدأ الهجوم في الشارع، في القهاوي في البيوت وفي وسائل المواصلات على ثوار 25 يناير بأنهم شباب مُخرب أو فوضوي وسوف ينهي على هذه البلاد ويسحقها في حالة استمر في الاعتصام، وبعد أسبوعين فقط عرف الجميع من هؤلاء المتظاهرين وما أهدافهم، وعرف أنه لا يوجد مندسين أو حركات تريد أن تقود الثورة وتحصد هى ثمارها، اتضح لتلك الفئة المخدوع من الإعلام الخائن لشعبه أن تلك الثورة المجيدة لو كتب لها أن تفشل فكانت ستصبح بعدها البلاد خراباً حقيقاً وفساداً كبيراً في جسد هذه الأمة.

5- القدرة على الإنجاز

سيتمتع جيل ميدان التحرير بصفات جديدة ستساعدهم على المضي قدماً بالحياة بدون إحباط أو شك في إمكانية الوصول لهدفه على المستوى الشخصي، فأكاد أجزم أنه ولا فرد ممن نزل في يوم 25 يناير - أول يوم احتجاجات- كان يعتقد أنها ستصبح ثورة وأنها ستنتهي بتنحي الرئيس وإقامة إصلاحات سياسية وإجتماعية وإعلامية جذرية كما هو مطلوب الآن.

إذن فالفرد الآن أصبح يتحلى بثقة أكبر في القدرة على الإنجاز والوصول لمآربه الشخصية، أو القدرة على التأثير والمساهمة الإنتاجية أو المعرفية في مجتمعه وهنا تأتي أكبر مكاسب الثورة التي أعادت للمصري كبريائه وكرامته واعتزازه بتراب وطنه.

الأربعاء، 29 ديسمبر 2010

نزهة مرتجلة




عندما يجي المساء، وتبدو أنك عزفت نهائياً عن الخروج، عندما تكون ارتديت مبذلك، عندما تكون جلست بعد العشاء إلى الطاولة المضاءة كي تنصرف لهذا العمل أو تلك اللعبة..وبعدها تنام كما جرت العادة،

عندما يكون الطقس فظيعاً في الخارج، فما من سبيل إلا أن تقبع في بيتك.


عندما تجلس، فضلاً عن ذلك مدة طويلة، كي لا تثير دهشة الناس جميعاً إذا خرجت، عندما يغرق مهبط الدرج في الظلمة ويوضع التراج على باب المدخل،

عندما تنهض آنئذ بالرغم من كل شيء في إحساس عنيف بالضيق، فتبدل سترتك ، وتظهر حالاً في ثياب المدنية وانت تعلن- وهو ما نصنع بعد وداع قصير- أنك مضطر للخروج.

وقد تخيلت تبعاً للعجلة التي صفقت بها الباب أنك أدرت ظهرك لقليل أو كثير من السخط،

عندما تجدك في الشارع وفي أعضائك مرونة خاصة تستجيب إلى ما منحته من حرية لم تكن تأمل بها، عندما تحس أنه قد اجتمع في هذا القرار كل طاقتك على التقرير،

عندما تدرك أنك تضفي على نفسك أهمية أشد مما في الزمن العادي، وأنك أكثر قوة مما يقتضيه المقام بهذا التبدل المتسارع، وفي سهولة هى نفس سهولة احتماله،
-
عندما تكون قطعت نهائياً وطيلة السهرة مع عائلتك، التي تدلج في العدم ، نتيجة لهذا الانقلاب وتستغل الحالتين فتصل أنت في وضوح باهر، إلى عظمتك الحقيقية.

وتكون هذه العظمة أعظم،، عندما تزور صديقاً، في هذه الساعة المتأخرة ليلاً، كى تسأل عن أخباره!

فرانتس كافكا






الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

آرنولد وبستانه



إلى حد ما..إني أرى النور، وبداخله بستان من أشجار شقت أغصانها بداخله لكن الظلمة دوماً أفضل للشجرة الأولى بالبستان حيث أن النور يجعلها في مجال الرؤية، ستدهس أو ستسحق بقدم طفل أو عجوز أو مخمور.

كانت لتطيب الحياة لو أن البستان لم يكن بمجال الرؤية، لكن كيف وصاحبه يريد بأن يتباهى أمام جاره "ش" و قريبه "م" والشجرة الأولى هى دوماً من تكون الملجأ عندما يسند عليها كتف مسافر قادم من ريف دافيء لمدينة حارقة ، أو يرمي أحدهم ممن يحتقرون الحديث عمن يشترون الورود علبة مياة غازية في وجهها،  يمتقع وجهه ويطلق الهواء الكحولي الساحق من فمه وأنفه  بكل السخرية من هؤلاء الممثلين السذج الذين يعتقدون أن الحب كلمة تقال أو وردة تقطع من بستان هذا الرجل السمين، نحن نصدق هذا الوغد على الرغم من كرهنا له، ولا ننسى قوله: "  القلب ما هو إلا حجر يتفتت عندما تظهر تعاطفك نحو الآخرين".

 
آه لو أن المطر يأتي معتدلاً لا كثيفاً ولا قليلاً، ربما يغطى البستان بغطاء من البلاستيك من قبل آرنولد السمين، على كل حال لن نطلب منه أن نذهب في نزهة قريبة من هنا أو أن يضع بعضاً من السكر في الماء الذي ينهمر على رأسنا كل صباح.

 
المهم أن يبقينا أحياء فنحن في هذا العالم نخشى من شيئين أن يقطعنا أحد العابرين سواء بعبثية أو بشاعرية، في النهاية سينهي حياتنا لكن الأفضل أن نموت بالطريقة الثانية على الأولى، ونخشى أيضاً من حذاء أرنولد الضخم الذي أنهى حياة بعض الأصدقاء هنا دون قصد.

 
عفواً لن أعرفكم بنفسي..ليس لي اسم ولا موطن ولا سجلات، لكني صديق للرياح وعاشق للمطر وما هذا الجذر الذي تحتي سوى مسمار أريد التخلص منه.

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

المعمار العربي، و أزمة أن لا تكون متفرداً





أعتقد أننا أحد أكثر الأجيال حظاً في تواجد الكثير من وسائل وطرق الترفية وأصبح يمكن للإنسان مثلاً في حالة وجود 6 ساعات من الفراغ في يومه أن يقوم بقضاء وعمل العديد من الأشياء لكن في الغالب فهناك أزمة -النمطية- لدى كثير منا، فالشاب يأكل نفس الطعام الذي يأكله قرينه في أمريكا أو ألمانيا مثلاً بفضل مطاعم الوجبات الجاهزة، يرتدي نفس الزي ويسمع نفس النوع من الموسيقى، وربما يكون لهذا الأمر تفسير تجاري مقبول بفضل الأمور التسويقية والدعائية.

لكن ما لا يفهم أن النمطية طالت أيضاً أثاث ومعمار البيوت في البلاد العربية، فأصبحت هناك عولمة حتى في المعمار والأثاث داخل بيوتنا، قوالب سكنية جاهزة تشبه بعضها، من دون أي صبغة أو لمحة فيها فأصبح الكرسي مثلاً مجرد أداة وظيفية وقطع الأثاث الخالية من الزخارف أو النقوش التي تتجاوز هذا الغرض الوظيفي لقطعة الأثاث لما هو أبعد فتربي الانتماء لعالمك وشخصيتك الخاصة.

البعض ارتضى فكرة أن يصبح لديه بيت على الطراز الأميركي أو الأوروبي-وحتى- لو كان الأخير جميلاً فهو يعبر عن عالم الغير وليس عالمك الخاص، والعجيب أن البعض يعتقد أن المعمار العربي الإسلامي يكلف الكثير- وذلك لأن أكثر من يهتم به الآن هم السياح الأجانب-، ولا يعلم أنه يمكن لك أن ترسم نقشاً على قطعة من الرخام بواسطة "الشنيور" فقط.

وهنا يجب أن نذكر رأي يتبناه مجموعة كبيرة من الناس بأنه لا يحتاج لتلك الرومانسية أو إعادة تحويل شخصية بيته لأن الحياة داخل البيت بالنسبة له لا تتطلب سوى أشياء وظيفية ليست لها أي بعد فني، ويمكن أن نقدر وجهة النظر تلك مع أن المرء يعيش داخل بيته أكثر من ثلثي عمره وربما يرحل عنه لغيره من دون أن يجد أي تغير أو انتماء لما سبقه بسبب القوالب السكنية الجاهزة في العصر الحديث!؟؟

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2010

لا تحب عدوك، لكن لا تبغضه





سأخوض اليوم في مقال لا أدري إن كان مختصاً في أخلاقيات السوق والتجارة أو أخلاقيات العمل بشكل عام، أو أنها تخص أخلاقيات التنافس العام بين البشر في الفن والعلم والرياضة، قد يكون يجمع بين هذا وبين ذاك.
ما دفعني لكتابة هذا المقال هى رواية الكاتب بيتر شيفر عن حياة الموسيقي فولفانج موتسارت، كان هذا الموسيقي الشهير الذي لا بد وأن تكون سمعت إحدى مقطوعاته في فيلم كارتون أو برنامج أو في فندق أو بمطعم، وأنت لا تدري أنك تسمع لموتسارت، هذا الاسم الشهير في عالم الموسيقى كان رجل شهواني متعجرف ولا يجيد احترام أحد وعلاقاته مفككة سواء مع والده أو زوجته.

وتسبب هذا في بغض الكثيرين من حوله وأولهم بالتأكيد منافسه الأول في مدينة فيينا النمساوية وهو الموسيقار الإيطالي أنتونيو سياليري، الذي حاربه وحاول إفساد علاقته مع البلاط الملكي وقطع سبل الرزق لديه، ونجح في ذلك ثم حاول في مرة ثانية التفكير في قتله حتى رآه في إحدى العروض الأوبرالية يسقط على المسرح مغشياً عليه، قاده سالييري لبيته وبدلاً من أن يجد طريقة ليتشفى بها فيه وجد نفسه يساعده لإتمام آخر مقطوعاته وهو في فراش الموت.

رحل موتسارت عن العالم وظل سياليري تلاحقه عقدة الذنب، في الحقيقة كان سياليري مفتون بسحر وأعمال موتسارت حتى في أوج التنافس الشرس بينهما، كان مبهوراً بتلك الموهبة إلى أشد درجة، على الرغم من كرهه لموتسارت بتصرفاته و طائشيته في التعامل مع الغير لكنه لم يستطع يوماً التقليل من براعته وعبقريته.

ظل سالييري يمدح ويتغنى ويعظم في "أماديوس موتسارت" وظلت عقدة الذنب تلاحقه لأكثر من 30 عاماً لأنه يعتقد أنه تسبب في إنهاء حياة موهبة من السماء، كان ينظر للمقطوعات التي ألفها النمساوي موتسارت وتكاد كل قطعة من جسده تتحرك وتثور انفعالاً وتأثراً ببراعة عدوه اللدود ولأنه حاربه في حياته قال:
" موتسارت..فلتسامح قاتلك"!.
من منا لديه ثقافة أنتونيو سالييري في تقديره الشديد لعدوه، هى رسالة في قمة التحضر والرقي تبين لنا كيف أن المسائل الشخصية والحب والكره- الذي لا يعتمد على موازين معينة ويختلف من شخص لآخر- لا يجب أن يكون عائقاً لاعترافنا ببراعة الغير، وإلا ستكون المكابرة عائقاً للتطور والسير للأمام.

لا تحب عدوك ولست مطالباً بذلك، لكن لا تبغضه بشكل يجعلك تتجاهل ولا تعترف بأي ميزة فيه وتراه اسوأ من على وجه البسيطة، النجاة في أن تقدر ما يتميز به وتتعلم لتكون مثله أو أفضل أو أقرب، ستكسب الكثير ولن تكون مطالباً بإبداء مشاعر سلبية ترهقك وتثقلك دوماً.


ملاحظة : تم تحويل الرواية لعمل سينمائي في 1984 بعنوان"أماديوس" وهو الإسم الثاني لموتسارت وفيما يلي مقطع منه:


http://www.youtube.com/watch?v=A5BpzmTIZMU&feature=player_embedded

السبت، 30 أكتوبر 2010

التكنولوجيا تختصرنا





لا تعتبر أزمة الإنسان الحديث في أنه لا يجد الوقت الكافي لكي يلهو ويقضي أوقاتاً تروح عن نفسه وتبعث فيه الكثير من الأشياء بضغطة زر أو أن يعاود مشاهدة لحظات الماضي عبر هاتفه المحمول أو جهاز الكمبيوتر الشخصي، ربما يكون هناك القليل من الوقت لكن هناك الكثير من الوسائل التي يمكن أن يقضي بها بعض الساعات بعد أن يفرغ من عمله وتناسب ذوقه.

فبدلاً من التزاور مع الأصدقاء والاهل أو تبادل الحديث مع الجار فيمكن أن يستغنى عن هذا كله ويشاهد برنامجاً أو فيلماً، بل ويمكنه أن ينتقي الفيلم الذي يريد مشاهدته ويصل إليه عن طريق الأسطوانات-السيديهات- أو الإنترنت، أو أن يدخل عالم برامج المحادثة أو الفيس بوك فيتحادث مع شخصيات ربما وهمية وربما حقيقية لكنه لم يلتقي بها أو يعرفها.


ويبقى اتصاله الغير محسوس يقتطع ساعاته وينهي بها يومه، بعد أن الكتاب أو القراءة أو الحديث المباشر هو سيد هذه الأوقات، فحدث استبدال لطرق تحصيل معرفة جديدة، وهذا المارد التكنولوجي امتدت جذوره أول ما امتدت على جيلي وعلىّ شخصياً فأصبح الكثير من الوقت ملكاً لهذا المارد التكنولوجي، و امتد الأمر حتى أصبح مكاناً للعمل من خلال المواقع الألكترونية العملاقة حيث يمكنك أن تنهي عملك أو بحثك من خلاله ومستعيناً به بمئات وآلالاف المعلومات أو الأبحاث المجهزة سلفاً بدون أن تضيف عليه رؤيتك أو تحليلك الخاص وهذه تعد مصيبة من مصائب هذا المارد.



 أعتقد أن كل هذه الوسائل رغم تسهيلها للأمور للنسبة العظمى من روادها لكنها أكلت الشق الإنساني وجعلته يتداعى بشكل كبير، ونفس الأمر ينطبق على الشق العلمي فلا أعتقد أن حصولك على بحثك أو وصولك لمعلومات من خلال شبكة الانترنت تحمل نفس القيمة التي يمكن أن تتحصل عليها من كتاب بعد جهد وبحث مضني، زد على ذلك أن الجهد الكبير الذي قمت به للحصول على المعلومة الورقية ستجعلك أكثر تركيزاً و اهتماماً بما وصلت له لتحاول أن تضيف له أسلوب التحليل و "النمذجة" من الواقع.

أما الشق الإنساني فلقد اختزلته، فأصبح يمكن للشخص أن يتكلم مع صديق له لم يراه لعدة شهوره ويكتفي بذلك، أو يتم الاكتفاء برسالة معايدة في المناسبات، أو تلتقط لنفسك ولأسرتك عشرات الصور على أجهزة المحمول بدلاً من الكاميرات والتخصص في التقاط مثل هذه اللحظات، حتى أصبح الشعب كله "مصوراً،، فعندما يحدث أي مشهد عجيب أو تكون هناك احتفالات يترك الجميع المشاركة فيه ويقوم بتصوير الاحتفال بالكاميرا البسيطة الملحوقة بجهاز تليفونه المحمول الخاص به.


و رغم ما لهذا المارد من قدرة وفائدة عظيمة في الجانب العملي وإنهاء الأعمال وحسمها خاصة بالشركات فإن مساوه أكبر وأشد فقد جعلت الإنسان أكثر "اغتراباً"، وأضحى التنافس على شراء أحدث أجهزة التليفون المحمول وأجهزة الكمبيوتر المزودة بالطبع بمواصفات خاصة للغاية لكى تلائم الألعاب الحديثة، وحتى إن لم يكن هذا واجباً لكي تعمل فمن باب التأمين و"البحر يحب الزيادة" وأن يحس المشتري بأنه مساير للعصر ومواكب للتقدم.


الأمر المثير هو اعلانات الدعايا لشركات المحمول التي تبهرك في البداية بعرض فكرة التواصل الدائم مع الغير مع موسيقى جميلة وصوت مطرب محبوب، ولا بأس من كلمات تعبر لداخلك وتلعب بمشاعرك وتطوحها يميناً ويساراً ثم تفاجأ بنهاية الإعلان بأنهم يبشروك بتخفيض ثمن الدقيقة أو عرض جديد للإكثار من الرسائل ولفترة محدودة.


أو يبدأ الإعلان بالحديث عن "المصريين" وثقافتهم في الحديث والتواصل بالشارع وكيف يعبرون عن مابداخلهم، ثم تفاجأ أيضاً مرة أخرى بأنه إعلان لإحدى شركات المحمول التي تؤكد لك أنها وجدت لتجعل حياتك أفضل وأيسر، نفس الأمر ينطبق على اعلانات شركات الأسمنت أو الحديد أو البنوك أو المدن الجديدة الخيالية التي لا يلتحق بها إلا المالتي مليونيرات ولكنها تظل طوال العام تطن في آذان الأفردا المطحونين- ايضاً بخلفية موسيقية جميلة وبتوصير فانتازي بديع للحياة-.



الأكيد أن هؤلاء المشاهدين اغلبهم لا يفكر باغتنام الفرصة وشراء وحجز فيلا بأقصى سرعة في تلك المدينة الجميلة الخضراء أو الاستثمار، بل يفكر بأمور أبسط بكثير تتعلق بدخله ومصاريف أسرته أو كيف يقضي ويأمن لأولاده حياة كريمة، ويأتي أولاده ليفكروا بتنيمة مهاراتهم للحصول على عمل - بعد أن يحصل على شهادة الجامعة-، ويبقى الطموح بفضل المارد الآخر - الصعود الإجتماعي- يزداد شيئاً فشيئاً بمرور الوقت، فتلك المشاريع الاستثمارية والمد الرأسمالي المتوحش تظل في دهن الشاب على أنها الغاية من حياته وأسمى ما يمكن أن يسمو إليه.

ويمر الوقت ليصل العنصر الشاب للإحباط بعد أن يكتشف كم التعقيدات والأمور المستحيلة التي يجب أن يجتازها، وتبدأ أحلامه تتقلص وطموحه يقل ويصبح فرداً أقصى ما يتمناه هو أن يفتح بيتاً ويستهلك بأي طريقة وبأي عمل يمكن أن يكفل له ذلك، فلا فائدة من الاهتمام أو شعور بقيمة عمله أو بإضافته الخاصة عليه، أو المشاركة والتعبير عن الأحداث السياسية إلا عبر الدردشات السريعة العابرة مع أصدقاء أو أقارب.


هكذا يتم تسيير و "نمذجة" الإنسان في قوالب محددة سلفاً، تجد الطموحات متشابهة والملابس متشابهه، الطعام متشابه رغم وجود عشرات المطاعم التي تفتح يومياً، الموسيقى واحدة رغم ظهور عشرات المطربين جدد في كل عام و انتشار شركات الإنتاج، ويزداد الإنسان "اغتراباً" و"اختصاراً".

في المقابل تزيد الآلات والخيارات أمامه فيكاد يرى من كل آلة أو صنف عشرات الانواع لعشرات الشركات، ويكفي أن تدخل لسوبر ماركت بغرض شراء "علبة جبن أبيض" مثلاً فتجد أمامك عشرات الأنواع والأسماء للجبن الأبيض وتحتار فيمن ستأخذه وبالنهاية تأخذ أي واحد منهم ليس اقتناعاً ولكن "اختصاراً"، فأنت في تلك النمذجة أو البرمجة "مُخير" لدرجة تتجاوز حدودك! .