الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

حين الشتات


أسعيد؟ أمبتهج؟
أقلبك يطير فوق السبع سماوات ولا يترنح
وأنت تدري أنك تغزل الأفراح
من خيال فقير
تيقنت من انزواء الفراغ
كان لك في الدروب
قصصُ تافه
وحنين لطفل.. لصراخ
تلاقيته فانزوي..انزوي
 نهرك الراكد مرتوي

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2011

حنين عابر ..حنين مزدحم


وأنت بعيدٌ جداً
لكنك قريب
أرواحنا معلقة في السماوات
وقلوبنا في جلبة المحطة
تنشد ..تحت أقدامنا
لأنها لم تعد ذاتنا. ولا شعاعها يتجاسر داخلنا
أين تنشد أغنيتك
وثنايا القلب تحولت لركام
أين تنشد أغنيتك
يا غريب المقام؟

ومضى شبح الرحلة ..ومرت الضحكة
الآن المقلة تبحث عن شفاءها
بين غرباء المحطة
بين المقاعد المهترئة في قطارنا القديم تركنا الأوهام
أغشانا النور..وتناثرت الشرور بأجساد العابرين القلقة
لا تتركنا وحيداً أيها الشعاع
يا رفيق الدروب المُعوجّة
يا مقلة عيناي!

كانت الذكرى تغمغم
آن للأسى أن يعرف الطريق
ها هىّ الذكرى تلوح
لا بد أن الملل قد تمكن منّا
وعجلات القطر بلا هوادة
في إيقاع سريع
تضرب بعيداً في أعماقنا
أثقلتنا غمامات الروح
لم نكن دروبها بهذه البشاعة من قبل
فلنتوقف إذن
لنأخذ معونة ما تبقى من الرحلة
لكن القلب الحديدي بنضباته جسور.
ألم غريب يعرفنا
مد طويل من الذكرى.. مد عنيف
تذاكر سفر تحت الأقدام
وبسمة الحسناء تتهالك مع زمجرة القطار

أهكذا كانت رحلتك يا ابن آدم
ألم يكن هذا وكأنه البارحة؟
حين أشرقت مع هذا الوجه البسام. وأخذت تعرفها
وهى أبداً لم تعرفك
لن أدع حنين الذكرى
لن أدعها تغب عن ناظري
وإن كنت البعيد..فأنا القريب

الجمعة، 12 أغسطس 2011

12 أغسطس

إنه يوم 12 أغسطس من العام 2011،لا يوجد شيء مخيف أكثر من الخوف ذاته.. تقل معرفتي أكثر فأكثر..بنفسي ، وبأي شخص آخر

الأربعاء، 10 أغسطس 2011

روزيتا.. إمرأة وفرشاة أسنان

ألم يكن من الممكن أن تصبح بنتاً؟"
كلمة قيلت للطفل لوشيانو من ربة الأسرة الصغيرة -لوشيانو- الذي أخبر البوليس بأن شقيقته التي بلغت عامها الحادي عشر تعمل كعاهرة.. تلك الصغيرة في سن الـ11 عاماً ولكن من أسلمها لهذا المصير.
http://a4.sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc6/284612_10150741818215720_743925719_19829862_7317414_n.jpg


إنها الأم .. كم يبلغ عمر البنت؟ 11 عام وتعمل كعاهرة منذ سنتين".


هل ترى كيف أن أسناني منتظمة.. هل تكن كذلك في البداية لكن أمي اشترت لي فرشاة، هل تعرف ما يقول الناس عندما يروني
الآن؟
ما أجمله من فم هذا الذي تملكين.. !! ولكني لم أقل لكي مثل هذا!".


إنه الشرطي الكاربياني أنتونيو الذي كُلف بمهمة من زميله لنقل روزيتا وأخاها الصامت لوشيانو من ميلانو إلى دار أيتام في صقلية.. بعد أن رُفضوا في ميلانو كونها " بروستيتيوت".. عاهرة صغيرة!.


لم يقل لها أنتونيو أنها تملك الفم الجميل.. ولم يقل لها الرجل الذي جلبته أمها سوى أنها قذرة، هذا ما لم يقله أنتونيو.. لكن أفواه الناس جميعها صرحت به.


رفضت في ميلانو..رفضت في فندق أخته الخاص.. بين الأطفال، وحتى من السائحتين الفرنسيتين..وفي قسم الشرطة، كله رفض، لا قبول ولا سماح فتلك القاصر أصبحت وصمة عار المجتمع الذي يراها كمجرمة وجرثومة.


"إنك لا تعرفين صلاة الملاك الحارس


لا أحد يريدني.. لا أحد."
كيف أحس أنتونيو ناحيتها بالشفقة إذن؟.
لقد اشترتها لي بمليون ليرة.. إنني الآن أحلم بموتها.
  



كيف كانت روزيتا طُهر مجتمعها. وهى تخرج له للمرة الأولى وتعرف كلمة "بروستيتيوت" وتعلم أن ما حسبته نظافتها.. حسبه المجتمع هذاء العراء المقدس.. العار الذي لا يمحيه الطريق ولا الموسيقى التي تحبها روزيتها، ولا حتى الإنتر الذي يشجعه لوشيانو.


روزيتا إمراة.. هذا الشقاء على نسمات صيف حارق، لا يجد سوى البحر حاضناً له.
" هل بكيت قبل ذلك.. إن روزيتا فقط هى من تبكي"


- لادرو دي بامبيني " سارق الأطفال" إنتاج إيطالي لعام 1992 وإخراج جياني أميليو


أما أنت يا أنتونيو.. اتعرف؟ سأبحث عنك عندما أصل للخامسة عشرة. قالها الطفل بعد أن انفكت عقدة

الجمعة، 6 مايو 2011

دموع الديموقراطية..والجنة الموعودة!

الإنسان بطبعه كائن يحب الخيلاء والتفوق على أقرانه وهذه من طبائع الأمور، لكن عندما دخلت الآلة الإعلامية الشرسة من صحافة وتلفزيون وإنترنت أصبح الأمر أكثر تسارعاً وتصارعاً.. ولديك فئات عديدة تتشارك بإختلاف الطبقات والرؤى والأفكار في تلك العملية فبعد أن كانت الصحف تُعد على أصابع اليد الواحدة حتى في أوروبا انتهى الأمر لوجود العشرات بل والمئات من المجلات والجرائد اليومية والأسبوعية والطبعات المختلفة على مدار اليوم الإضافة لفضاء الإنترنت الواسع الذي كفل مهن عديدة لقطاع جديد يسمى بالصحافة الألكترونية، ويعتبر الإنترنت أكثر الوسائل قدرة على إستيعاب مشاركة كافة الطوائف والمستويات الفكرية والعلمية به..

رغم أن التلفزيون مازال المتصدر في مجال العروض والأخبار المباشرة بصوت وصورة.
كل هذه الأدوات اجتمعت لتتيح ما يمكن أن يقال بالثراء الغير مادي إنما بثراء الألسن والعيون فنجد اسم قتيل أو مقتول أو سياسي على كل الألسن بالشوارع والمقاهي والبيوت، أو تحليل وتعقيب ساخن لأحد الكتاب أو الشخصيات المشهورة في تلك القضية الساخنة أو هذا الحدث المرتقب..مما عزز ذلك من ثقافة الكيتش kitch

والتي تسببت في التوازانات الغير شريفة وربما الغير منطقية- في أغلب الأحيان- والتي تتعامل مع الحوادث الوقتية من أجل الوصول للهدف وهو كسب تأييد أكبر طوائف وتيارات المجتمع على إختلافها وتنوعها وتناحرها فيما بينهم..  مدمنو الكيتش موجودين دوماً ليحتلوا الواجهة والصورة بطرح يرضي هذا وذاك وحتى الغير مهتم!.

يقول هيرمان بروخ عن تلك الثقافة التي بدأت في الظهور بأوروبا في بدايات القرن العشرين وتضخمت بمرور الوقت في جميع أنحاء العالم خاصة في الدول المتأخرة: " تشير كلمة الكيتش إلى موقف من يريد أن يثير الإعجاب بأي ثمن ولأكبر عدد من الناس - لاحظ كلمة بأي ثمن-، ولكي تثير الإعجاب لابد من التأكيد على ما يريد كل الناس سماعه، وأن تكون في خدمة الأفكار المُسبقة إلى لغة الجمال والانفعال فهو يستدر دموع عطفنا على أنفسنا وعلى كل ما نفكره ونشعر به من أمور مبتذلة".

أما الكاتب التشيكي ميلان كونديرا فيضيف من عنده لتحليل بروخ بعد خمسين سنة: " ونظراً للضرورة القصوى لإثارة الإعجاب وبالتالي حصر أكبر عدد ممكن من الناس فإن جمالية وسائط الإعلام الجماهيري هى جمالية الكيتش التي لا مفرّ منها، ويقدر ما تعانق وسائل الإعلام الجماهيرية وتعانق حياتنا بقدر ما يصير الكيتش جماليتنا وأخلاقنا اليومية".

ويثير كونديرا تلك النقطة فيؤكد فشل "الحداثة" تحت تأثير تلك المفاهيم الرجعية للقرن العشرين والتي يتهم فيها كتاب القرن الثامن عشر زوراً: " الحداثة تعني ثورة غير امتثالية ضد الأفكار المسبقة، أما اليوم فالحداثة تختلط مع الحيوية الإعلامية الجماهيرية الضخمة وأن تكون حديثاً اليوم يعني أن تكون على علم بما يفكر كل هؤلاء الناس.. لكي تكون مماثلاً وأن تكون أكثر مماثلة من كل من حولك ممن يماثلون، لقد لبست الحداثة ثوب الكيتش".

ونعود إلى كلمة فرانسوا رابليه رائد فن الرواية الذي ذكر كلمة " agelaste" بالفرنسية
وهى تعني "الجلف" وجمعها أجلاف وهم من يرون أن الحقيقة واضحة وأن على كل الناس أن يفكروا بنفس أفكارهم- فما بالك عندما ترتدي هذه الأفكار ثوب القدسية أو رداء التوازنات الإقتصادية الهشة والنظريات الغير مكتملة-، ونحن الآن ربما في فورة التغيير بالعالم
العربي نعيش نفس القصة الغير قابلة النهاية، والسياسيون يتناحرون ربما بأساليب براجماتية أو بإنفعالية لإثارة مشاعر الأقل إدراكاً

واحتضان الأجلاف - ربما بعبارة أكثر عصرية الإنفعاليين أو المتعصبين- من التيارات المختلفة ببعض المصطلحات مثل :  لا مساس بالمادة كذا ، وأننا سنوفر نظام إقتصادي عادل وسنقوم بتوزيع الدخل القومي بالشكل الأمثل" وذلك بدون طرح سياسات أو تفصيل البرنامج بذكر كيفية إدخال الموارد وكيف سيصل الدعم للمواطن وما هى الطريقة لتأمين تحصيل الضرائب وهل ستلغى بعض القوانين التي يراها بعض العارفين بالامور مجحفة أم لا، أو ما هى الرؤية الواضحة لتناحر التيارات الدينية والعلمانية أو الإشتراكية والليبرالية أو الرأسمالية.. المطالبة بالمدنية أو بشرع الخاصة دون الجميع.

إنهم فقط يكتفون برص المصطلحات والكلمات العذبة الخيالية مع إثارة الإنفعالات واللعب على الألة الإعلامية الشرسة للوصول للهدف من خلال صناديق الانتخابات وهذه هى الديموقراطية!.. سواء بإستخدام الدين فيما لا يستخدم أو اللعب بشعارات الجنة الموعودة على الأرض للكادحين، وبين هذا وذاك نجد وحتى الآن أنهم يبيعون الهواء لنا.

ومازلنا نعيش عصور ما قبل الحداثة إذا ما سلمنا عقولنا للرجعيين..وطبقنا المعادلات التي تعادي الإنسان، ويبقى السياسيين هم فرس الرهان في تلك اللعبة المتموجة.

...أهلا بكم في عالم التوازنات القح

الجمعة، 29 أبريل 2011

في الطرقات



ما أنت الحزين وما أنت الفرِح
كسرات الخبز لا تنتظر
أن تداس عليها بالقدم
أن تئن عليها صوت الندم
دون الحبيب لا تسترح
أذهب وامضي في أرضِ
لا تسمع فيها تراتيل الورع
ولا وعظ الهرِم
لأنك أنت وأنت فقط من ذقت الأمل المنتحب
من جاورت الشقاء
من اقتربت لتبتسم
من انشنقت لتنشرح
لم تعد لتحارب شقاءك
لم تفتح باب النعيم المسترق
بل تركت كل الآلام مقروحة
والأحلام مجروحة
مررت على الأفراح لماما
آويت إلى مضجح النعيم
لتعيد ذكريات الطفل البعيدة
وأحلام الصبي الوئيدة
ما قبل أن تهان
من قبل أن تدان
بالحب والاشتياق
برحابة الكلمة
بالخطوات البريئات
اقذف بها في بحار الظلام
بدلها بالخطوات الممكنات

الأربعاء، 23 مارس 2011

لحــن ..



جارتي مدت من الشرفة حبلاً من نغم

نعم قاس رتيب الضرب منزوف القرار

نغم كالنار

نغم يقلع من قلبي السكينة

نغم يورق من روحي أدغالاً حزينة

بيننا يا جارتي بحر عميق

بيننا بحر من العجز رهيب وعميق

وأنا لست بقرصان ولم أركب سفينة

بيننا يا جارتي سبع صحاري

وأنا لم أبرح القرية مذ كنت صياً

ألقيت في رجلىَ الأصداف مذ كنت صبياً

أنت في القلعة تغفين على فرش الحرير 

وتذودين عن النفس السآمه 

بالمرايا واللآلي والعطور

وانتظار الفارس الأشقر في الليل الأخير

-أشرقي يا فتنتي

-مولاىَ..!

-أشواقي رمت بي!

-آه .. لا تقسم على حبىَّ بوجه القمر

ذلك الخداع في كل مساء

يكتسي وجهاً جديداَ 

وأنا لست أميرا

لا، ولست المضحكَ المراحَ في قصر الأمير

سأريكَ العجبَ المعجبَ في شمس النهار


أنا لا أملكُ ما يملأ كفّى طعاما

وبخديك من النعمة تفاح وسكر

فاضحكي-يا جارتي-للتعساء

نغمي صوتكِ في كل فضاء

وإذا أومض في عتمة مصباح فريد

فاذكري!


زينة نور عيوني، وعيونُ الأصدقاء

ورفاقي طيبون

ربما لا يملك الواحد منهم حشو فم

ويمرون على الدنيا خفافاً كالنسم

و وديعين كأفراخِ حمامه

وعلى كاهلهم عبء كبير وفريد

عبء أن يولدَ في العتمة مصباح وحيد

صلاح عبد الصبور

لا تُقصني حتى لا أُقصيك - حوار مع الجماعة



سأحاول أن أبين موقفي تجاه جماعة الإخوان المسلمين لمن لم يتبينه بعض الأصدقاء بالشكل الذي أردته وهو موقف ليس بالجامد بل يقبل المتغير ويستوعبه.

في البداية فإن الجماعة في تنظيمها القوي المتماسك لا تحمل منهجاً واضحاً في قبول الآراء المتنوعة داخلها حيث تتعامل القيادة بشكل بيروقراطي وأحادي النظرة..وهو ما يمكن تلافيه بقبول المد الشبابي داخلها واستوعاب آرائه بشكل ديموقراطي ولا تمرر القيادة مواقفها وآرائها بدون العودة للقاعدة والعنصر الفاعل بالشارع وهو الشباب.

أيضاً فإن وجود حزب ذا مرجعية دينية لا غضاضة في قبوله إذا ما التزم بتلافي الفكر الاقصائي والشعارات الجامدة وبتطبيق الحريات مع مد جذور التواصل الفني والثقافي في هذه النقطة وعدم قبول الحرية بشكل قطعي واختزالي في صور معينة بل قبولها على إطلاقها.

عندما سألتني أحد الصديقات بأنه ما الذي خرجت لتنادي به في ثورة 25 يناير وأنت تُقصي الجماعة من مخيلتك لمستقبل الحكم في مصر فكان هذا ردي، لا تقصيني وتلتزم بأفكارك المسبقة ثم تطلب مني أن أقف سنداً لك.. فأنا أقبل بجماعة الأخوان اذا ما قامت بثورة فكرية تنظيمية وأعدوا برنامجاً يرفع شعار المواطنة والحريات الغير مشروطة فلا يعقل أن نقبل شيئاً على إطلاقه بدون ان ندرس رؤاه ونستأصل النظرة الشمولية التي عانينا منها الكثير لعدة عقود.

إن الحديث عن حزب الحرية والعدالة ومناصرة هذه الأيديولوجية أو تلك هو حديث مؤجل ولا يصح أن نبدأ فيه دون نقرأ برنامج الأخوان من خلاله ونظرتهم لثورة مصر "25 يناير" ونرى المصالحة الفكرية اللازمة ليتم استيعاب الجماعة كقوة سياسية اجتماعية لا غنى عنها.

الخميس، 17 فبراير 2011

ماذا علمتني الثورة



عشت أياماً زاخمة بالأحداث التي لم يستوعب ذهني استقبالها بهذا النهج المتسارع منذ بداية ثورة شباب 25 يناير وحتى نهايتها بالنصر المظفر، وسيأتي وقت لأسرد فيه بعض الأحداث التي عايشتها لكن هنا أحاول أن أرى بمنظوري بعضاً من الأمور التي علمتني إياها تلك الثورة المجيدة.

1- وحدة الهدف علاج للأمراض المستعصية المجتمعية

من عاش إنطلاقة تلك الحركة النبيلة التي لم تكن في بدايتها -ثورة- بالمعنى الفعلي ولم يعتبرها كذلك قيادتها أو أي من المشاركين الذين نزلوا في اليوم الأول والثاني من الاحتجاجات يعرف جيداً أنه وجد أخلاق جديدة يتعامل بها الشعب المصري، سواء قبل الوصول لميدان التحرير أو بعد الوصول إليه.

فوحدة الهداف والمشروع القومي الغائب منذ عقود عن المصريين كان كفيلاً بأن ينسى المصري مصاعب العيش وكل كوابيس الماضي بالنسبة له ويترفع عن الطائفية والوعظ السلبي وأخلاقيات الشارع لنجد شعباً جديداً في ميدان التحرير، يبتسم في وجهك ويعتذر لك في حالة اصطدم بك أو قام بتفتيشك عند مداخل الميدان، وتجد تبادل النكات وتوزيع الماء أو العصائر والساندوتشات بين الحينة والآخر لتصبير أنفسهم ودفع كل واحد منهم الآخر للبقاء صامداً وإكمال المشوار لنهايته، فأصبح الواحد يعمل من أجل المجموعة وهو يعرف أن المجموعة تعمل من أجله فتم خلق أو رسم لوحة جميلة للمجتمع النبيل المتآلف.

2- مراجعة النفس

من أهم ما أرى أن هذه الثورة قد انجزته هو أن كل فرد أخذ بزمام نفسه وبدأ يقوم بمراجعة شاملة عل حياته السابقة وما ارتكب فيها من أخطاء في حق نفسه أو الغير، فظهرت روح جديدة بين المسلم والمسيحي وضحت بشدة من خلال الهتافات التي كانت تؤكد على وحدة عنصري الأمة، وعرف كل فريق منهما أنه لا استغناء عن الآخر ولا يمكن الاستسلام لروح التعصب والفرقة فكليهما في دائرة واحدة اسمها الوطن، رأيت دموع وحسرات بعض الرجال المتقدمين بالسن والشيوخ على ما فاتهم وربما عزاء لأنفسهم وسعادة بأنهم لحقوا ثورة الشباب تلك حتى لو كانوا قد تمنوا أن تحدث في أجيالهم والحقبة التي كانوا فيها شبابا.

ونرى قمة النضج في مراجعة النفس بعد انتهاء الثورة بقيام بعض الشباب بدعوات لعدم إلقاء القمامة في الشارع أو كسر إشارة المرور أو معاكسة البنات وهو ما يعني أن الثورة لم تقم فقط لإسقاط العصابة السياسية الفاسدة أو لتحسين مستوى المعيشة فقط بل يمكن أن تكسب منها كنز أخلاقي جديد بالمجتمع المصري.

3- نجوم المجتمع و ورقة التوت

عرفنا أيضاً من خلال هذه الثورة النبيلة بعض الطبقات التي خذلت شعبها وأهمها طبقة لاعبي الكرة وبدرجة أقل طبقة الفنانين بدورها السلبي والمُحبط وربما في بعض الأحيان الجارح في وصف المتظاهرين والثوار المطالبين بحقوقهم وربما حقوق غيرهم وجعلوا نفسهم فدءاً لإصلاح وتنظيف مجتمع قد فسد وعفن.

لكن قوبل هؤلاء الثوار بموجة من الهجوم المخجل من قبل بعض المطربين والممثلين بالإضافة للاعبين الكرة الذي قام البعض بالتصريح بأن المحتجين في الميدان هم مأجورين أو "مضحوك عليهم" واكتف البعض الآخر الذي كان منهم شخصيات كانت قدوة لفئة كبيرة من الشعب بالصمت والسكوت المحير.

إذن من أحرز الهدف في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الوطن لم تكن طبقات لاعبي الكرة ولا المطربين والممثلين ولا مقدمي البرامج التلفزيونية وهم نجوم المجتمع بل كانت طبقة من المثقفين والكتاب الشرفاء، الذين قام بعضهم دون أن يدري بغرس بعض من نواة تلك الثورة بالتوعية والتأكيد على مباديء الديمقراطية ومواجهة الفساد ومحاربة الطغيان على مدى سنوات من خلال مقالات أو كتب وهنا أتت دور الطبقة الواعية المثقفة سواء من كتاب أو جماهير عادية بالميدان لنقل الصورة الحقيقية لغير المتعلمين والطبقة الكادحة وتحريضهم على المطالبة بالحقوق بشكل سلمي ومتحضر فكان أمراً في غاية الروعة ويتمثل هذا أمام عيني عندما قامت بعض مجموعة صباح يوم "مجزرة الأربعاء" أو معركة الجمال التي قام بها البلطجية مدفوعين من أركان وحواشي النظام الفساد، فحضر في صباح هذا اليوم بعض الشباب والبنات العادي يهتفون للرئيس حسني مبارك ويقذفون المتظاهرين بوابل من الشتائم الخادشة للحياء والحركات المستفزة، ولكن ظلت هذه العشرات من الألوف متريثة و واقفة تشاهد ولا ترد ولا تحتك بهم، وكان قادة هذا المشهد الحضاري من جانب المتظاهرين هم الشباب الواعي الذي يعلم أهمية أن تبقى هذه الثورة بيضاء ليتحاكى عنها العالم بعد ذلك.

4- الإعلام ودوره الخطير

صدق الملايين من الشعب المصري تلك الألاعيب والمسلسلات الوضيعة التي تم حبكها خلال الأيام الأولى من هذه الثورة النبيلة من قبل التلفزيون المصري الذي لم يتواني عن التشكيك في وطنية وعقالة ورجحان المتظاهرين، و وصفهم بأنهم مدفوعين من الخارج ولهم أجندات وأهداف أخرى بقصد التربح من جهات أجنبية لخلق الفوضى في البلاد وهو ما صدقه الكثيرين للأسف في بداية هذه الثورة.

وبدأ الهجوم في الشارع، في القهاوي في البيوت وفي وسائل المواصلات على ثوار 25 يناير بأنهم شباب مُخرب أو فوضوي وسوف ينهي على هذه البلاد ويسحقها في حالة استمر في الاعتصام، وبعد أسبوعين فقط عرف الجميع من هؤلاء المتظاهرين وما أهدافهم، وعرف أنه لا يوجد مندسين أو حركات تريد أن تقود الثورة وتحصد هى ثمارها، اتضح لتلك الفئة المخدوع من الإعلام الخائن لشعبه أن تلك الثورة المجيدة لو كتب لها أن تفشل فكانت ستصبح بعدها البلاد خراباً حقيقاً وفساداً كبيراً في جسد هذه الأمة.

5- القدرة على الإنجاز

سيتمتع جيل ميدان التحرير بصفات جديدة ستساعدهم على المضي قدماً بالحياة بدون إحباط أو شك في إمكانية الوصول لهدفه على المستوى الشخصي، فأكاد أجزم أنه ولا فرد ممن نزل في يوم 25 يناير - أول يوم احتجاجات- كان يعتقد أنها ستصبح ثورة وأنها ستنتهي بتنحي الرئيس وإقامة إصلاحات سياسية وإجتماعية وإعلامية جذرية كما هو مطلوب الآن.

إذن فالفرد الآن أصبح يتحلى بثقة أكبر في القدرة على الإنجاز والوصول لمآربه الشخصية، أو القدرة على التأثير والمساهمة الإنتاجية أو المعرفية في مجتمعه وهنا تأتي أكبر مكاسب الثورة التي أعادت للمصري كبريائه وكرامته واعتزازه بتراب وطنه.